تحقيق – ياسمين خلف:
في لحظة، مباغتة كانت تماماً كما هي لحظات القضاء والقدر، تعرضت الاسرة الصغيرة المكونة من أب وأم وطفلين لحادث مروري وهم يسيرون في اتجاه المنزل وقت السحور من شهر رمضان المبارك عام 2001.. وقع القدر المحتوم وحدث ما حدث.
كان الحادث عنيفاً، والاشد من عنفه انه اصبح ذكري اليمة، وحتي يومنا هذا، يجاهد كل من سعيد وهنادي الزوج والزوجة لإسترجاع جزء من حقوقهما اذ رفعا دعوي قضائية ضد شركة التأمين المؤمنة علي السيارة التي تسببت في الحادث.. كادت رجلاهما تُبتران نتيجة الاصابة، لكنهما نجيا ولله الحمد.
الحادث المشئوم
ففي شهر رمضان لعام 2001م خرج سعيد وزوجته ووالدتها وابنتيه بشاير 8 سنوات ، ومحمد 5 سنوات في جولة عائلية قبيل السحور، واثناء ما هم في طريقهم للمنزل وعلي شارع الخدمات بالتحديد تفاجؤوا بسيارة تنحرف عن مسارها، وتتجه إليهم وتصطدم بسيارتهم الفان وجها لوجه، ادخلوا علي اثرها وحدة العناية القصوي بقسم الحوادث والطوارئ في مجمع السلمانية الطبي.
الامر قد يكون شبه اعتيادي خصوصا اننا نقرأ وبأستمرار عن حوادث الطرق والسيارات، ولكي لنقترب اكثر من هذه العائلة لنعرف ما حل بهم بعد ذلك الحادث المشئوم !!
فبعد عامين من ذلك الحادث ها هم يجرون ارجلهم جر كي يستطيعوا المشي، وها هي الآلام التي لم تبرحهم مازالوا يأنون منها، والجده المسكينة التي فقدت اسنانها، بقت بدونهم حتي هذه اللحظة!! ولم يقف الامر عند الاضرار الجسمية، بل تعداها الي الاضرار النفسية التي لحقت بالاطفال، والذين مازال الحادث قابعا في مخيلتيهما كالفيلم المرعب الذي قضي علي مضجعيهما.
بتر ارجلنا
سعيد الأب يصف لنا حالة وحالة اسرته بعد الحادث مباشرة، والتي وصفها باللحظات العصيبة، فخرجت كلماته مخنوقة ويقول في ذلك: تم نقلنا عبر سيارة الاسعاف الي مجمع السلمانية الطبي لقسم الحوادث والطوارئ بالتحديد، وتمت المعاينة الطبية لحالاتنا وكانت الطامة الكبري!! قرر الاطباء بتر ساقي من الركبة، وبتر ساق زوجتي بالكامل، وكنت حينها غائبا عن الوعي، بل ان الطامة الكبري حدثت عندما قاموا بأخذ بصماتي لوضعها علي اوراق تجيز لهم اجراء عملية البتر، ورحمة الله شملتنا عندما جاءت اخت زوجتي وهي ممرضة في المستشفي العسكري واصرت علي نقلنا للمستشفي العسكري دونما الشروع في اجراء عملية البتر لأرجلنا.
لن استطيع الإنجاب بعد اليوم!!
هنادي محمد عنبر 29 سنة الزوجة تستلم خيط الحديث وتقول: هناك في المستشفي العسكري اجروا لنا العملية التي حفظوا فيها ارجلنا دون ان يلجأوا الي بترها، ومكثنا بعدها شهر ونصف الشهر في المستشفي وتلقينا خلالها العلاج الطبيعي المكثف، الذي ساهم كثيرا في قدرتنا علي الحركة، وان كانت بسيطة جدا.
وهنا انا ذا بعد الحادث وبعد العمليتين اللتين اجريتهما في رجلي اليمني، اعاني من الآلام في الرأس والصدر والرجل واليد اليسري، والتي بالكاد استطيع ان احركها، ولأنني استخدم يدي اليسري عسماوية في حياتي اليومية فقد تضررت كثيرا، كما لو كانت حجر عثر وقفت في حياتي وتمنعني من تيسير شئونها.
كما انني اعجز عن الجلوس علي الارض او ركوب السلالم، فجوزة رجلي تألمني كثيرا ويقول الاطباء انها رضة ، فهل الرضة تستمر لسنتين، تسأل وتجيب : اظنهم يعجزون عن تشخيصها بالشكل السليم ، تسكت برهة وتكمل: بيتي مكون من طابقين، واعجز عن ركوب الطابق العلوي، وان اردت ذلك فانني ابذل جهدا كبيرا حتي اصل إليه فالامر بالنسبة لي كما لو كنت اتسلق جبلا.. وكأن غصة كانت تمنعها من الاكمال إلا انها تغلبت عليها حينما قالت: لقد منعني الطبيب من الحمل مرة اخري، فعظام ظهري وجسمي وهنوا ولن اقوي علي تحمل ثقل الحمل .
التعويض لم يتجاوز 7 آلاف
الدوامة التي دخلنا فيها ارهقتنا واتعبت نفسياتنا ففي البداية ذكرت لنا اللجان الطبية ان الضرر قد يكون بنسبة 45% وعلي اثره كذلك سأحصل علي تقاعد مبكر، مع راتب شهري تصرفه شركة التأمين جاء ذلك علي لسان سعيد ويكمل : للأسف لا شيء من هذا القبيل حدث، كما ان المحامية التي وكلناها للقضية طالبت بتعويض لا يقل عن 40 ألف دينار، حتي نتمكن من اكمال العلاج في الخارج، خصوصا انني رب عائلة والضرر الذي وقع علي في رجلي اليمني التي من المفترض ان يكون التعويض عليها أكبر من لو كانت في الرجل اليسري، إلا ان التعويض الذي حصلنا عليه لم يتجاوز السبعة آلاف دينار فقط!!، والذي لن يكفي حتما لعلاجنا، خصوصا انني رب عائلة، وتخلفت عن وظيفتي مدة 11 شهرا، وتغيرت وظيفتي بعدها بعدها عجزت عن المواصلة فيها، صحيح انهم نقلوني لعمل آخر مراعاة لظروفي الصحية، إلا انني بذلك قد خسرت العلاوات التي كنت بأنتظارها!!
اريد مبررا مقنعا
ومن جملة معاناة الزوجة قالت: كنت لا اقوي علي تحريك يدي لشهرين بعد وقوع الحادث، وعندما سافرنا للعلاج في الخارج تحركت بعلاجهم بعد اربعة ايام، بل كنت اغسل بكلتا يدي بهما، فهل يعطيني احدا مبررا مقنعا علي ذلك؟!
اللجان الطبية لم تنصفنا
وبنوع من الاحساس بالغضب لعدم الانصاف اخذ يقول: اللجان الطبية لم تنصفنا، ولم يكن تقديرهم لنسبة العجز التي لحقت بنا عادلة، فقد حددوا لي نسبة العجز بـ 20%، ولنزوجتي 30%، ولأمن زوجتي 5%، اما عن اطفالي فقد خرجوا من مولد بلا حمص ، كما يقول اخواننا المصريين، والسبب كما اعدوا انهم مازالوا قصر !!
نحن لم نطلب التعويض من اجل الأموال في حد ذاتها، بل لحاجتنا إليها لرغبتنا في اكمال علاجنا في الخارج.. انا لا اتجني علي اللجان الطبية، ولكن ما رأته ام عيني يجعلني اغضب واشك في نزاهة اللجان، فقد قرروا اعطائي نسبة عجز لم تتعد 20%، بالرغم من الاضرار التي لحقت بي بعد الحادث المروري، وبنفس العينين رأيت من حصل علي نسبة عجز 70% علي الرغم من ان حالته افضل مني بكثير.
ولا يفوتني كذلك انهم في اللجان قد حرروا لي التقرير بطريقة خاطئة، فراجعتهم واستبدلوه بآخر، إلا انه هو الآخر به بعض الاخطاء!! يتساءل لما لا يصرف التعويض إلا بعد انتهاء العلاج؟ لما لا يصرف قبلها ليتسني للشخص السفر والعلاج بالشكل الذي يفضله، فها انا ذا بعدما اجريت 4 عمليات احتاج لخامسة لازالة الغضروف الذي لم يعد نافعا، لاستبداله بآخر من البلاستيك!!
ماذا عن
باقي أفراد الأسرة؟!
سألنا الزوجة هنادي فأجابت: امي التي فقدت اسنانها في الحادث حتي هذه اللحظة لا تملك ثمن طقم الاسنان الصناعية، وحالتها النفسية من سيء إلي اسوأ وتأثرت عينها وكذلك انفها، فهي ما ان تبكي حتي تتألم تألما شديدا من عينيها! والغريب في الامر انها وبعد مرور عام علي الحادث تستخرج قطعا من الزجاج من رأسها!!
اما عن ابنائي فقد تأثرت نفسيتهما كثيرا، لدرجة انهما يرفضان دخول الحمام لوحدهما، كما ان ابني ذو الخمسة اعوام يعاني من تلعثم وتأخر في الكلام جراء ما رأه امام عينيه في الحادث وبعده، بالله عليكم مع كل هذه الاضرار الجسيمة والنفسية تقرر لنا اللجان الطبية لنسبة عجز بـ 20%؟!
نحدد نسبة العجز
بعد استقرار الحالة
وردا علي بعض التساؤلات التي دارت في تحقيقنا هذا، يقول الدكتور اسماعيل القصاب – مقرر اللجان الطبية: نحن في اللجان الطبية نحدد نسبة العجز المستديمة لا الاصابة في حد ذاتها، اي نسبة العجز والضرر الدائمة الذي سيرافق المرء مدي حياته، لذا فان التحديد يتم بعد استقرار حالة المصاب.. اما عن اصابات الاطفال وبعض من الشباب فاننا نتركها لفترة اطول تمتد في كثير من الاحيان الي عامين من الزمان، وقد يظن البعض أنها فترة طويلة لا داعي لها وليس لها اسباب، ولكن الامر يتعدي تصور البعض، فالاطفال قد تكون اصابتهم اخطر، خصوصا ان بعضهم يصاب جراء تلك الحوادث بالصرع او بارتجاج في المخ! لذا فنحن نتابع حالة الطفل حتي بعد دخوله المدرسة، ونتأكد انه معافي ولم يتأثر عقله، استنادا لشهادة مدرسيه لمستوي قدراته الدراسية، واستنادا لطبيبه النفسي الذي يراجعه .
المسألة لا تعتمد علي خواطر العيون !!
اما عن نسبة العجز وتحديدها فنحن نلجأ إلي جداول معدة مسبقا، وتسير عليها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وجمهورية مصر العربية، فلكل مفصل أو جزء من الجسم نجري عليه عدة اختبارات في القدرة علي الحركة، واذا ما كان الشخص يعاني من عجز بنسبة 20% فهو بذلك يملك 80% من قدراته الجسمية، ويستطيع ممارسة حياته بالشكل الطبيعي، ونحن كلجنة طبية مكونة من عدة اختصاصيين نحدد نسبة العجز دون أي تفرقة من شخص لآخر، فليس لخواطر العيون أي مكان لدينا.
عليه باللجوء
للجنة الطبية الاستئنافية
ويضيف الدكتور القصاب : كما اعتقد ان الاخ سعيد قد خلط ما بين اصابة العمل واصابة الحادث المروري فنحن كلجنة طبية لا نعوض الشخص عن الاصابة، والتعويض يحصل عليه من شركة التأمين بعدما يلجأ للمحكمة .. يسكت برهة ويكمل: ولا اخلي نفسي ولا باقي الاطباء اجمعين من الخطأ فنحن بشر والخطأ وارد، واذا ما احس سعيد انه قد ظلم في تحديد تلك النسبة العجز عليه باللجوء الي التظلم في لجنة الطبية الاستئنافية لاعادة النظر في نسبة العجز، اذ ان اعضاء هذه اللجنة يختلفون تماما عن اللجنة التي عاينته في السابق.
لا نبتر الاطراف في الطوارئ
ونفي الدكتور محمود الفردان – طبيب بقسم الحوادث والطوارئ بمجمع السلمانية الطبي، مسألة ان يقوم الاطباء في الطوارئ بتقرير بتر اطراف اي مريض ويقول في هذا الصدد: مستحيل ان يقوم طبيب في قسم الطوارئ بتحرير تقرير يجيز بتر اطراف المرضي حتي وان استدعي الامر ذلك، فوظيفة اطباء الطوارئ انقاذ حياة المرضي، والمحافظة علي اجهزتهم الحيوية القلب، الدماغ ، ومباشرة حالتهم حتي استقرارها، واذ ما احتاج الامر الي جراحة او اختصاصيين، سيتم استدعاء استشاريين متخصصين من مجمع السلمانية الطبي لمعاينة الحالة .
وان احتاج الطرف يد او رجل الي بتر لا نقوم بتلك العملية الخطرة والصعبة في قسم الطوارئ، اذ انها تحتاج الي جراحين ليتولوا تلك المسئولية غير الهينة، كما ان الامر مستبعد ان يكون قد اخذوا بصمات المريض ليجيز الاطباء لأنفسهم اجراء العملية!!
ففي مثل هذه الحالة سوف يلجأ الطبيب الي اقرب المقربين للمرضي، لأخذ موافقتهم لاجراء العملية الكلام لا يزال علي لسان الدكتور الفردان ، إلا في الحالات التي تتوقف حياة المرضي علي اجراء العملية والتي تعتبر مستعجلة، والتي يكون فيها أي تأخير ليس في مصلحة المريض، بل يكون التأخير تهديدا لحياة المريض!! .
ويضيف بقوله: قطع الاطراف يعني العجز عن علاجها او فقدان الامل فيها، وهي آخر الحلول للمحافظة علي باقي اجزاء الجسم، أو حتي لا يتضرر الجسم، كحالات مرضي داء السكري مثلا، اواصابة احدهم بالغرغرينا في احد اطرافه، في مثل هذه الحالات تبتر الاطراف، وخلاف ذلك امر نادر الحدوث خصوصا انها عملية صعبة جدا ، ولا اعتقد ان من السهولة ان يزف الطبيب هذا الخبر للمريض، فالامر يحتاج الي تمهيد .
وباستياء يختتم: للاسف البعض لا يفرق بين اختصاصات الاطباء في الطوارئ واختصاصات الاطباء في مجمع السلمانية الطبي، مما يخلق اللغط الذي يعود بآثار سيئة علي سمعة الاطباء جميعا، والتي حتما تفقد الثقة، الواجب توافرها بين الاطباء والمرضي!!
سعيد ظلم من قبل
اللجان ونسبة التعويض
المحامية هدي المهزع المترافعة في قضية سعيد ارسلت لنا ملخص الحكم الصادر في حقه بدعوي رقم 2002/9164 وقد جاء فيه ما يلي:
تعرض المذكور اعلاه مع زوجته واولاده بتاريخ 2001/12/14 لحادث مروري بليغ نتج عنه اصابته باضرار واصابات جسمانية قدرت له عنها اللجان الطبية المختصة نسبة عجز مستديم 20% كما لحقت بزوجته ايضا اضرار واصابات جسمانية وخيمة قدرت لها اللجان الطبية عنها نسبة العجز المستديم بـ 30%.
ولقد تقدمنا بصفتنا وكلاء عن المصاب الاول بالدعوي رقم 2002/9164 بطلب الحكم له ولأسرته بالتعويض عن جملة الاضرار التي لحقت به واوضحنا للمحكمة الكبري المدنية الثالثة من خلال لائحة الدعوي ومذكرات الدفاع مقدار الاصابة وما خلفته لدي المصاب من اضرار بالمصاب واهله وتفاقم الحالة الصحية للمصاب له كما اوضحنا انه قد خضع بعد تقديم الدعوي وبسبب الحادث للعديد من العمليات الجراحية التي اثرت علي صحته واثرت بالتالي علي حالته الاقتصادية بسبب تكبده مبالغ ضخمة لأجل العلاج.
وبتاريخ 2003/4/30 اصدرت المحكمة حكمها حيث قضت للمصاب سعيد ادريس واولاده بمبلغ تعويض مقداره -/6000 دينار وحيث ان هذا المبلغ كما رأيناه لا يتناسب ومقدار الضرر ولآلام الذي ألمت بالمصاب ولايزال، فقد قمنا بالطعن عليه بموجب الاستئناف رقم 2003/386 بغية تعديله والحكم بالتعويض المعادل والجابر لحجم الاضرار.
وقد عززنا طلبنا امام محكمة الاستئناف بالاوراق المتعلقة بالعمليات الواجبة واوراق العلاج الذي خضع لها المصاب بعد رفع الدعوي.
حالة سعيد!!
قبل ايام ساءت حالة سعيد ، ولم يقو علي الحركة برجليه، فاضطر ان يلجأ للكرسي المتحرك ليعينه علي التنقل، بل انه توقف عن عمله تبعا لحالته الصحية المتدهورة، خصوصا ان الاطباء صرفوا له ابرة كل اسبوع، لمدة خمسة اسابيع متتالية، ثمن كل ابرة 25 دينارا، والطامة الكبري انها غير متوفرة في مملكة البحرين.
2003-11-13
تحقيق – ياسمين خلف:
في لحظة، مباغتة كانت تماماً كما هي لحظات القضاء والقدر، تعرضت الاسرة الصغيرة المكونة من أب وأم وطفلين لحادث مروري وهم يسيرون في اتجاه المنزل وقت السحور من شهر رمضان المبارك عام 2001.. وقع القدر المحتوم وحدث ما حدث.
كان الحادث عنيفاً، والاشد من عنفه انه اصبح ذكري اليمة، وحتي يومنا هذا، يجاهد كل من سعيد وهنادي الزوج والزوجة لإسترجاع جزء من حقوقهما اذ رفعا دعوي قضائية ضد شركة التأمين المؤمنة علي السيارة التي تسببت في الحادث.. كادت رجلاهما تُبتران نتيجة الاصابة، لكنهما نجيا ولله الحمد.
الحادث المشئوم
ففي شهر رمضان لعام 2001م خرج سعيد وزوجته ووالدتها وابنتيه بشاير 8 سنوات ، ومحمد 5 سنوات في جولة عائلية قبيل السحور، واثناء ما هم في طريقهم للمنزل وعلي شارع الخدمات بالتحديد تفاجؤوا بسيارة تنحرف عن مسارها، وتتجه إليهم وتصطدم بسيارتهم الفان وجها لوجه، ادخلوا علي اثرها وحدة العناية القصوي بقسم الحوادث والطوارئ في مجمع السلمانية الطبي.
الامر قد يكون شبه اعتيادي خصوصا اننا نقرأ وبأستمرار عن حوادث الطرق والسيارات، ولكي لنقترب اكثر من هذه العائلة لنعرف ما حل بهم بعد ذلك الحادث المشئوم !!
فبعد عامين من ذلك الحادث ها هم يجرون ارجلهم جر كي يستطيعوا المشي، وها هي الآلام التي لم تبرحهم مازالوا يأنون منها، والجده المسكينة التي فقدت اسنانها، بقت بدونهم حتي هذه اللحظة!! ولم يقف الامر عند الاضرار الجسمية، بل تعداها الي الاضرار النفسية التي لحقت بالاطفال، والذين مازال الحادث قابعا في مخيلتيهما كالفيلم المرعب الذي قضي علي مضجعيهما.
بتر ارجلنا
سعيد الأب يصف لنا حالة وحالة اسرته بعد الحادث مباشرة، والتي وصفها باللحظات العصيبة، فخرجت كلماته مخنوقة ويقول في ذلك: تم نقلنا عبر سيارة الاسعاف الي مجمع السلمانية الطبي لقسم الحوادث والطوارئ بالتحديد، وتمت المعاينة الطبية لحالاتنا وكانت الطامة الكبري!! قرر الاطباء بتر ساقي من الركبة، وبتر ساق زوجتي بالكامل، وكنت حينها غائبا عن الوعي، بل ان الطامة الكبري حدثت عندما قاموا بأخذ بصماتي لوضعها علي اوراق تجيز لهم اجراء عملية البتر، ورحمة الله شملتنا عندما جاءت اخت زوجتي وهي ممرضة في المستشفي العسكري واصرت علي نقلنا للمستشفي العسكري دونما الشروع في اجراء عملية البتر لأرجلنا.
لن استطيع الإنجاب بعد اليوم!!
هنادي محمد عنبر 29 سنة الزوجة تستلم خيط الحديث وتقول: هناك في المستشفي العسكري اجروا لنا العملية التي حفظوا فيها ارجلنا دون ان يلجأوا الي بترها، ومكثنا بعدها شهر ونصف الشهر في المستشفي وتلقينا خلالها العلاج الطبيعي المكثف، الذي ساهم كثيرا في قدرتنا علي الحركة، وان كانت بسيطة جدا.
وهنا انا ذا بعد الحادث وبعد العمليتين اللتين اجريتهما في رجلي اليمني، اعاني من الآلام في الرأس والصدر والرجل واليد اليسري، والتي بالكاد استطيع ان احركها، ولأنني استخدم يدي اليسري عسماوية في حياتي اليومية فقد تضررت كثيرا، كما لو كانت حجر عثر وقفت في حياتي وتمنعني من تيسير شئونها.
كما انني اعجز عن الجلوس علي الارض او ركوب السلالم، فجوزة رجلي تألمني كثيرا ويقول الاطباء انها رضة ، فهل الرضة تستمر لسنتين، تسأل وتجيب : اظنهم يعجزون عن تشخيصها بالشكل السليم ، تسكت برهة وتكمل: بيتي مكون من طابقين، واعجز عن ركوب الطابق العلوي، وان اردت ذلك فانني ابذل جهدا كبيرا حتي اصل إليه فالامر بالنسبة لي كما لو كنت اتسلق جبلا.. وكأن غصة كانت تمنعها من الاكمال إلا انها تغلبت عليها حينما قالت: لقد منعني الطبيب من الحمل مرة اخري، فعظام ظهري وجسمي وهنوا ولن اقوي علي تحمل ثقل الحمل .
التعويض لم يتجاوز 7 آلاف
الدوامة التي دخلنا فيها ارهقتنا واتعبت نفسياتنا ففي البداية ذكرت لنا اللجان الطبية ان الضرر قد يكون بنسبة 45% وعلي اثره كذلك سأحصل علي تقاعد مبكر، مع راتب شهري تصرفه شركة التأمين جاء ذلك علي لسان سعيد ويكمل : للأسف لا شيء من هذا القبيل حدث، كما ان المحامية التي وكلناها للقضية طالبت بتعويض لا يقل عن 40 ألف دينار، حتي نتمكن من اكمال العلاج في الخارج، خصوصا انني رب عائلة والضرر الذي وقع علي في رجلي اليمني التي من المفترض ان يكون التعويض عليها أكبر من لو كانت في الرجل اليسري، إلا ان التعويض الذي حصلنا عليه لم يتجاوز السبعة آلاف دينار فقط!!، والذي لن يكفي حتما لعلاجنا، خصوصا انني رب عائلة، وتخلفت عن وظيفتي مدة 11 شهرا، وتغيرت وظيفتي بعدها بعدها عجزت عن المواصلة فيها، صحيح انهم نقلوني لعمل آخر مراعاة لظروفي الصحية، إلا انني بذلك قد خسرت العلاوات التي كنت بأنتظارها!!
اريد مبررا مقنعا
ومن جملة معاناة الزوجة قالت: كنت لا اقوي علي تحريك يدي لشهرين بعد وقوع الحادث، وعندما سافرنا للعلاج في الخارج تحركت بعلاجهم بعد اربعة ايام، بل كنت اغسل بكلتا يدي بهما، فهل يعطيني احدا مبررا مقنعا علي ذلك؟!
اللجان الطبية لم تنصفنا
وبنوع من الاحساس بالغضب لعدم الانصاف اخذ يقول: اللجان الطبية لم تنصفنا، ولم يكن تقديرهم لنسبة العجز التي لحقت بنا عادلة، فقد حددوا لي نسبة العجز بـ 20%، ولنزوجتي 30%، ولأمن زوجتي 5%، اما عن اطفالي فقد خرجوا من مولد بلا حمص ، كما يقول اخواننا المصريين، والسبب كما اعدوا انهم مازالوا قصر !!
نحن لم نطلب التعويض من اجل الأموال في حد ذاتها، بل لحاجتنا إليها لرغبتنا في اكمال علاجنا في الخارج.. انا لا اتجني علي اللجان الطبية، ولكن ما رأته ام عيني يجعلني اغضب واشك في نزاهة اللجان، فقد قرروا اعطائي نسبة عجز لم تتعد 20%، بالرغم من الاضرار التي لحقت بي بعد الحادث المروري، وبنفس العينين رأيت من حصل علي نسبة عجز 70% علي الرغم من ان حالته افضل مني بكثير.
ولا يفوتني كذلك انهم في اللجان قد حرروا لي التقرير بطريقة خاطئة، فراجعتهم واستبدلوه بآخر، إلا انه هو الآخر به بعض الاخطاء!! يتساءل لما لا يصرف التعويض إلا بعد انتهاء العلاج؟ لما لا يصرف قبلها ليتسني للشخص السفر والعلاج بالشكل الذي يفضله، فها انا ذا بعدما اجريت 4 عمليات احتاج لخامسة لازالة الغضروف الذي لم يعد نافعا، لاستبداله بآخر من البلاستيك!!
ماذا عن
باقي أفراد الأسرة؟!
سألنا الزوجة هنادي فأجابت: امي التي فقدت اسنانها في الحادث حتي هذه اللحظة لا تملك ثمن طقم الاسنان الصناعية، وحالتها النفسية من سيء إلي اسوأ وتأثرت عينها وكذلك انفها، فهي ما ان تبكي حتي تتألم تألما شديدا من عينيها! والغريب في الامر انها وبعد مرور عام علي الحادث تستخرج قطعا من الزجاج من رأسها!!
اما عن ابنائي فقد تأثرت نفسيتهما كثيرا، لدرجة انهما يرفضان دخول الحمام لوحدهما، كما ان ابني ذو الخمسة اعوام يعاني من تلعثم وتأخر في الكلام جراء ما رأه امام عينيه في الحادث وبعده، بالله عليكم مع كل هذه الاضرار الجسيمة والنفسية تقرر لنا اللجان الطبية لنسبة عجز بـ 20%؟!
نحدد نسبة العجز
بعد استقرار الحالة
وردا علي بعض التساؤلات التي دارت في تحقيقنا هذا، يقول الدكتور اسماعيل القصاب – مقرر اللجان الطبية: نحن في اللجان الطبية نحدد نسبة العجز المستديمة لا الاصابة في حد ذاتها، اي نسبة العجز والضرر الدائمة الذي سيرافق المرء مدي حياته، لذا فان التحديد يتم بعد استقرار حالة المصاب.. اما عن اصابات الاطفال وبعض من الشباب فاننا نتركها لفترة اطول تمتد في كثير من الاحيان الي عامين من الزمان، وقد يظن البعض أنها فترة طويلة لا داعي لها وليس لها اسباب، ولكن الامر يتعدي تصور البعض، فالاطفال قد تكون اصابتهم اخطر، خصوصا ان بعضهم يصاب جراء تلك الحوادث بالصرع او بارتجاج في المخ! لذا فنحن نتابع حالة الطفل حتي بعد دخوله المدرسة، ونتأكد انه معافي ولم يتأثر عقله، استنادا لشهادة مدرسيه لمستوي قدراته الدراسية، واستنادا لطبيبه النفسي الذي يراجعه .
المسألة لا تعتمد علي خواطر العيون !!
اما عن نسبة العجز وتحديدها فنحن نلجأ إلي جداول معدة مسبقا، وتسير عليها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وجمهورية مصر العربية، فلكل مفصل أو جزء من الجسم نجري عليه عدة اختبارات في القدرة علي الحركة، واذا ما كان الشخص يعاني من عجز بنسبة 20% فهو بذلك يملك 80% من قدراته الجسمية، ويستطيع ممارسة حياته بالشكل الطبيعي، ونحن كلجنة طبية مكونة من عدة اختصاصيين نحدد نسبة العجز دون أي تفرقة من شخص لآخر، فليس لخواطر العيون أي مكان لدينا.
عليه باللجوء
للجنة الطبية الاستئنافية
ويضيف الدكتور القصاب : كما اعتقد ان الاخ سعيد قد خلط ما بين اصابة العمل واصابة الحادث المروري فنحن كلجنة طبية لا نعوض الشخص عن الاصابة، والتعويض يحصل عليه من شركة التأمين بعدما يلجأ للمحكمة .. يسكت برهة ويكمل: ولا اخلي نفسي ولا باقي الاطباء اجمعين من الخطأ فنحن بشر والخطأ وارد، واذا ما احس سعيد انه قد ظلم في تحديد تلك النسبة العجز عليه باللجوء الي التظلم في لجنة الطبية الاستئنافية لاعادة النظر في نسبة العجز، اذ ان اعضاء هذه اللجنة يختلفون تماما عن اللجنة التي عاينته في السابق.
لا نبتر الاطراف في الطوارئ
ونفي الدكتور محمود الفردان – طبيب بقسم الحوادث والطوارئ بمجمع السلمانية الطبي، مسألة ان يقوم الاطباء في الطوارئ بتقرير بتر اطراف اي مريض ويقول في هذا الصدد: مستحيل ان يقوم طبيب في قسم الطوارئ بتحرير تقرير يجيز بتر اطراف المرضي حتي وان استدعي الامر ذلك، فوظيفة اطباء الطوارئ انقاذ حياة المرضي، والمحافظة علي اجهزتهم الحيوية القلب، الدماغ ، ومباشرة حالتهم حتي استقرارها، واذ ما احتاج الامر الي جراحة او اختصاصيين، سيتم استدعاء استشاريين متخصصين من مجمع السلمانية الطبي لمعاينة الحالة .
وان احتاج الطرف يد او رجل الي بتر لا نقوم بتلك العملية الخطرة والصعبة في قسم الطوارئ، اذ انها تحتاج الي جراحين ليتولوا تلك المسئولية غير الهينة، كما ان الامر مستبعد ان يكون قد اخذوا بصمات المريض ليجيز الاطباء لأنفسهم اجراء العملية!!
ففي مثل هذه الحالة سوف يلجأ الطبيب الي اقرب المقربين للمرضي، لأخذ موافقتهم لاجراء العملية الكلام لا يزال علي لسان الدكتور الفردان ، إلا في الحالات التي تتوقف حياة المرضي علي اجراء العملية والتي تعتبر مستعجلة، والتي يكون فيها أي تأخير ليس في مصلحة المريض، بل يكون التأخير تهديدا لحياة المريض!! .
ويضيف بقوله: قطع الاطراف يعني العجز عن علاجها او فقدان الامل فيها، وهي آخر الحلول للمحافظة علي باقي اجزاء الجسم، أو حتي لا يتضرر الجسم، كحالات مرضي داء السكري مثلا، اواصابة احدهم بالغرغرينا في احد اطرافه، في مثل هذه الحالات تبتر الاطراف، وخلاف ذلك امر نادر الحدوث خصوصا انها عملية صعبة جدا ، ولا اعتقد ان من السهولة ان يزف الطبيب هذا الخبر للمريض، فالامر يحتاج الي تمهيد .
وباستياء يختتم: للاسف البعض لا يفرق بين اختصاصات الاطباء في الطوارئ واختصاصات الاطباء في مجمع السلمانية الطبي، مما يخلق اللغط الذي يعود بآثار سيئة علي سمعة الاطباء جميعا، والتي حتما تفقد الثقة، الواجب توافرها بين الاطباء والمرضي!!
سعيد ظلم من قبل
اللجان ونسبة التعويض
المحامية هدي المهزع المترافعة في قضية سعيد ارسلت لنا ملخص الحكم الصادر في حقه بدعوي رقم 2002/9164 وقد جاء فيه ما يلي:
تعرض المذكور اعلاه مع زوجته واولاده بتاريخ 2001/12/14 لحادث مروري بليغ نتج عنه اصابته باضرار واصابات جسمانية قدرت له عنها اللجان الطبية المختصة نسبة عجز مستديم 20% كما لحقت بزوجته ايضا اضرار واصابات جسمانية وخيمة قدرت لها اللجان الطبية عنها نسبة العجز المستديم بـ 30%.
ولقد تقدمنا بصفتنا وكلاء عن المصاب الاول بالدعوي رقم 2002/9164 بطلب الحكم له ولأسرته بالتعويض عن جملة الاضرار التي لحقت به واوضحنا للمحكمة الكبري المدنية الثالثة من خلال لائحة الدعوي ومذكرات الدفاع مقدار الاصابة وما خلفته لدي المصاب من اضرار بالمصاب واهله وتفاقم الحالة الصحية للمصاب له كما اوضحنا انه قد خضع بعد تقديم الدعوي وبسبب الحادث للعديد من العمليات الجراحية التي اثرت علي صحته واثرت بالتالي علي حالته الاقتصادية بسبب تكبده مبالغ ضخمة لأجل العلاج.
وبتاريخ 2003/4/30 اصدرت المحكمة حكمها حيث قضت للمصاب سعيد ادريس واولاده بمبلغ تعويض مقداره -/6000 دينار وحيث ان هذا المبلغ كما رأيناه لا يتناسب ومقدار الضرر ولآلام الذي ألمت بالمصاب ولايزال، فقد قمنا بالطعن عليه بموجب الاستئناف رقم 2003/386 بغية تعديله والحكم بالتعويض المعادل والجابر لحجم الاضرار.
وقد عززنا طلبنا امام محكمة الاستئناف بالاوراق المتعلقة بالعمليات الواجبة واوراق العلاج الذي خضع لها المصاب بعد رفع الدعوي.
حالة سعيد!!
قبل ايام ساءت حالة سعيد ، ولم يقو علي الحركة برجليه، فاضطر ان يلجأ للكرسي المتحرك ليعينه علي التنقل، بل انه توقف عن عمله تبعا لحالته الصحية المتدهورة، خصوصا ان الاطباء صرفوا له ابرة كل اسبوع، لمدة خمسة اسابيع متتالية، ثمن كل ابرة 25 دينارا، والطامة الكبري انها غير متوفرة في مملكة البحرين.
2003-11-13
أحدث التعليقات