غرفة الفحص… «ديوانية» بابها لا يقفل

العدد 156- الاربعاء 1 رجب 1427 هـ -26 يوليو 2006  

يوم في حياة «طبيب المركز الصحي»
غرفة الفحص… «ديوانية» بابها لا يقفل

الوقتياسمين خلف:
الحركة في المراكز الصحية لا تهدأ إلا مع انتهاء الدوام الرسمي، رجال ونسوة، أطفال وشيوخ وشباب، يملؤون الممرات منذ الصباح الباكر، هذا يتأوه وآخر ضجر من الانتظار… تلك تطلب دواء، وهذه تجر ابنها جرا إلى غرفة الكشف… أحدهم يرافق خادمته الجديدة، والآخر يدفع كرسيا متحركا وعليه والدته المنهكة.
سيناريو متكرر في جميع المراكز، يكاد الجميع يعرفه بتفاصيله، فكلنا نراجع المراكز الصحية، مرضى أو مرافقون لمرضى، ونتابع بأنفسنا ما يجري بها من كشوفات وإجراءات.
لكن، كيف تبدو الصورة من داخل غرف الكشف؟ وكيف للطبيب أن يتعامل مع مشارب من الأفراد لهم أساليب مختلفة في التعامل، لانحدارهم من بيئات وثقافات قلما تتشابه. وفي المقابل كيف يتعامل المرضى مع الطبيب؟
من قلب غرفة طبيبة العائلة في أحد المراكز الصحية.. جلسنا قبالة الباب مباشرة حتى لا تفوتنا أية مشاهدة… الغرفة تحوي خمسة كراسي أحدها للطبيب المعالج، وطاولة عليها أوراق وأدوات الفحص الطبية، بالإضافة إلى سرير الفحص.
البداية كانت لافتة للنظر… مريض يدخل الغرفة من دون استئذان ويسأل ‘’اسمي (…) هل هو ضمن القائمة هنا؟’’… التصرف أثار دهشتنا إلا أن الطبيبة لم تتعجب، فالوضع ‘’عادي’’ بالنسبة لها، ويواجهها يومياً، تقول ذلك وهي تبتسم.
نادت عبر مكبر الصوت أحد الأسماء، وكان لطفل رضيع، دخلت أمه تحمله وترافقهما خادمة، الطبيبة تعرف تاريخ المريض، سألت عن نتيجة فحص الدم، إذ كان يعاني من نقص في الخميرة… كتبت تقريرا لتحويله على أختصاصي دم في مجمع السلمانية الطبي، ولفتت الطبيبة انتباه الأم إلى أن طفلها سيعاني من ارتفاع في درجة الحرارة واضطراب في النوم وبكاء بعد الجرعة الأولى من التطعيم الإلزامي.
مرة أخرى، وأثناء ما كانت الأم مع طفلها ‘’اقتحم’’ الغرفة رجل يستفسر عن آلية فحص الخادمة… لم يراع الداخل أن في الغرفة مريض وله خصوصيته…
لازالت الأم الشابة مع طفلها في الغرفة، وإذا بالباب يفتح مرة أخرى وتدخل إمرأة تستفسر عن أوراق الفحص الطبي الخاصة بسائقها، قالت ‘’من شخص لآخر أنتقل بحثا عن الأوراق، فبحسبه (السائق) أن هناك مشكلة صحية يعاني منها’’، أخبرتها الطبيبة انه يعاني من سل رئوي وسيتم تحويله لاختصاصي في مجمع السلمانية الطبي، للتأكد من ذلك.
مكبرات من دون فائدة
في ممرات الانتظار لم تعد هناك حاجة لمكبرات الصوت لمناداة المرضى؛ فالجميع يدخلون على الطبيب المعالج من دون مناداة، والملفات تتوارد على الطبيبة، فبين الحين والآخر تدخل ممرضة تحمل عددا منها، وتأخذ معها الملفات الخاصة بالمرضى الذين انتهوا من الكشف.
نادت الطبيبة المريضة التالية بحسب الترتيب، وقبل أن تدخل سبقها اثنان أحدهما يسأل عن دوره، فسألته الطبيبة عن اسمه وإن كان يعرف موعد دخوله، فنفى معرفته بالموعد على رغم أن الكتاب يبلغون المريض برقم الغرفة والموعد بالدقيقة، الآخر كان يستفسر عن وصول ملفه من عدمه.
جلست المريضة – وكانت تعاني من اضطراب في الهرمونات ناتج عن تضخم في الغدة الدرقية. الطبيبة بعد الفحص حولتها لإجراء فحوصات جديدة بدلا عن تلك التي تعود لما قبل العام .
تشرح لنا آلية ونظام نقل الملفات ‘’الكاتب يحدد الموعد ويكتب بطاقة المريض، ويسلمه لمستخرج الملفات الذي يسلم الملف للممرضة وهي تنقله بدورها إلى الطبيب، إلا أن المريض لا ينتظر دقائق، فما إن يذهب للكاتب حتى ينتقل مباشرة لغرفة الفحص يسأل عن دوره، وينكر حتى معرفته بالموعد الذي أبلغه الكاتب به.
دخلت مريضة ـ بعد مناداة اسمها ـ غرفة الكشف بصعوبة بسبب التزاحم على الباب، رفعت غطاء وجهها وسلمت أوراقا إلى الطبيبة، ‘’مبروك أنت حامل’’ تقول الطبيبة… لم تلح ابتسامة أو علامات فرح على وجه المريضة، علامة استفهام ارتسمت على محيانا، اعتقدنا أنه جنين غير مرغوب فيه لتعدد أطفالها… سألناها عن السبب، وكانت المفاجأة أنها لم تحمل لمدة جاوزت التسع سنوات، وأنها ترتعب من فقدان حملها، خصوصا أن عاملة المختبر قالت لها بأنه حمل ضعيف، وهى لا تعرف ما تعنيه تلك الكلمة.
هدّأت الطبيبة من روعها، وأكدت لها إن كان الله يرى صلاحا في بقائه سيثبته، وإن كان عكس ذلك ستفقده وستجهض، فلربما كان طفلا مشوها أو معاقا، وشرحت لها ما يعنيه مصطلح ‘’حمل ضعيف’’ طبيا، أي أنه حمل يتوقع له الإجهاض. كانت المرأة ترتعش وخائفة من فقدان أمل قد لا يرى النور، وقالت وبعفوية وعينيها أغرورقتا بالدموع ‘’إن ثبت حملي سأستقيل من عملي’’.
تستأذن الطبيبة وتخرج لدقائق عبر الباب الفاصل بينها وبين غرفة الفحص الأخرى. أثناء ذلك تدخل كفيلة السائق، كانت أوراقه وصور أشعته مفقودة، تترك الأوراق على الطاولة وتخرج لتنتظر دورها في الممر. تعود الطبيبة لترى الأوراق، وتشير إلى أن ‘’المشكلة التي تواجهنا مع الكفيل، أنه يترك العامل ينهي إجراءات الفحص بمفرده، ومع وجود مشكلة يطلب الطبيب رؤية الكفيل، فيرجع في اليوم التالي فيضيع الطبيب من وقته، وخصوصا عندما يأتي من غير موعد أصلا’’.
مواعيد للإجازات المرضية
من دون موعد ‘’ولا إحم ولا دستور’’، دخل مريض يسأل إن كان في الإمكان الكشف عليه… طلبت منه الطبيبة أخذ موعد عند الكتاب وانتظار دوره. لفت انتباهنا أن جميع من دخلوا الغرفة تقريبا طلبوا إجازات مرضية، فقد كان اليوم الأربعاء وصادف قبله أيام إجازة وبعده الإجازة الأسبوعية، في الوظائف الحكومية، ‘’واللبيب بالإشارة يفهم’’، فتشير إلى أنها لا تعطي تقارير الإجازة المرضية إلا لمن يستحقها فعلا، وأن الإناث والذكور متساوون تقريبا في عدد الإجازات المرضية التي يطلبونها.
أحد المرضى يدخل غرفة الكشف ثلاث مرات يستفسر عن موعده، آخر وهو شاب يلبس ثوباً، حاسر الرأس يدخل الغرفة ليستفسر عن موعده وكأنه يريد التشاجر. وبعد مناداته يدخل شاب لم تبد عليه علامات المرض أو التعب ليقول ‘’فيني كحة وسخونة وأريد إجازة مرضية’’… هكذا من دون مقدمات أو انتظار لنتجية الفحص الطبي، وتدلف أثناء ذلك ممرضة تحمل في يدها نحو عشر ورقات لمرضى جدد يتعارف العاملون على تسميتهم بـ ‘’ًُّمْ ٌىَُّّ’’ أي الذين تم تسجيلهم ما بعد انتهاء المواعيد. وللمصادفة، كن جميعاً من الإناث.
تعلق الطبيبة ‘’هذا هو حالنا فسياسة وزارة الصحة ألا نرد أي مريض… عقارب الساعة قاربت على الثانية ظهرا وأعداد من المرضى مازالوا ينتظرون في الممر’’. نادت الطبيبة مريضة، وإذا برجل كبير في السن يدخل الغرفة ويطلب التوقيع على ورقة لصرف بخاخ خاص لمرضى الربو.
دخلت أثناء ذلك أيضا مريضة لا يتجاوز عمرها الثالثة عشرة لتقول ‘’أنا مريضة ممكن أن تفحصيني… دكتورة؟’’، فتجيبها الطبيبة ‘’قبلك ثلاثة مرضى انتظري دورك، ويمكنك الاستلقاء في غرفة الكشف إن وجدت نفسك منهكة جداً’’، يتهدج صوت المريضة ‘’ألا تستطيعين تقديمي على غيري أنا مريضة؟’’.
عدد كبير من الحالات تدخل غرفة الكشف ولتكرار المشكلات آثرنا عدم ذكرها، ففي خلال الساعات الثماني وهي مدة الدوام الرسمي، يمر على الطبيب عدد من الحالات لأناس تختلف طرق التعامل معهم، ويتطلب من الطبيب مسايرة الجميع، وتقديم ابتسامته للجميع كذلك…
لا نملك عصا سحرية
‘’يعتقد المرضى بأن الطبيب يحمل عصا سحرية ويمكنه أن يرى جميع المرضى في ذات الوقت’’ بهذه الكلمات تعلق إحدى الطبيبات، وتكمل ‘’المشكلة أن المرضى لا يلتزمون بالمواعيد، ولا يتقيدون بالأنظمة والقوانين، قد تنتظر المريضة دورها في الصالون لساعات ولا تضجر، ولكنها ترفض انتظار دورها بالمركز، ولا نستغرب أن نسمع مريضا يقول هذا حق لنا كفله الدستور، وإن لم نرضخ لطلبه شكانا في اليوم التالي في الصحف، وكتب رسالة إلى الوزيرة’’.
وتتابع ‘’غالبا ما نعاني من القائمة الإضافية للمرضى التي ترد في الدقائق الأخيرة من الدوام، فنحاول جاهدين الكشف على الجميع، على رغم أن بعضهم يمكنه الذهاب مثلا إلى مستشفى المحرق باعتباره مستشفى يفتح أبوابه 24 ساعة يوميا، وباعتبارها حالة غير طارئة، كالإصابة بالزكام مثلا، أو بإمكانه الانتظار حتى الدوام المسائي للمركز.
وتقول ‘’إن ضغط المواعيد يحتم علينا – أطباء المراكز الصحية – أن نقلص فترة الفحص الطبي من سبع دقائق لكل مريض إلى دقيقتين أو أقل في بعض الحالات… كما نفتقد في كثير من الأحيان احترام المرضى، وإن كانت هناك فئة ليست بقليلة كذلك تحترم الطبيب وتلتزم بالمواعيد والأنظمة.
تعلن الساعة الثانية ظهرا… ينتهي الدوام في المركز، ولم يعد هناك من يقف على الباب أو يفتحه وبدأ الهدوء يخيم على المكان، حتى خلا من المراجعين كافة وحتى الموظفين، فيما عدا موظف واحد ودعناه قبل مغادرتنا إذ كان يكنس المركز، ليستأنف العمل بعد سويعات في الفترة المسائية، في المساء يبدأ الزحام من جديد، تتكرر المشكلات ذاتها مرة أخرى، ويتواصل العمل.

العدد 156- الاربعاء 1 رجب 1427 هـ -26 يوليو 2006  

يوم في حياة «طبيب المركز الصحي»
غرفة الفحص… «ديوانية» بابها لا يقفل

الوقتياسمين خلف:
الحركة في المراكز الصحية لا تهدأ إلا مع انتهاء الدوام الرسمي، رجال ونسوة، أطفال وشيوخ وشباب، يملؤون الممرات منذ الصباح الباكر، هذا يتأوه وآخر ضجر من الانتظار… تلك تطلب دواء، وهذه تجر ابنها جرا إلى غرفة الكشف… أحدهم يرافق خادمته الجديدة، والآخر يدفع كرسيا متحركا وعليه والدته المنهكة.
سيناريو متكرر في جميع المراكز، يكاد الجميع يعرفه بتفاصيله، فكلنا نراجع المراكز الصحية، مرضى أو مرافقون لمرضى، ونتابع بأنفسنا ما يجري بها من كشوفات وإجراءات.
لكن، كيف تبدو الصورة من داخل غرف الكشف؟ وكيف للطبيب أن يتعامل مع مشارب من الأفراد لهم أساليب مختلفة في التعامل، لانحدارهم من بيئات وثقافات قلما تتشابه. وفي المقابل كيف يتعامل المرضى مع الطبيب؟
من قلب غرفة طبيبة العائلة في أحد المراكز الصحية.. جلسنا قبالة الباب مباشرة حتى لا تفوتنا أية مشاهدة… الغرفة تحوي خمسة كراسي أحدها للطبيب المعالج، وطاولة عليها أوراق وأدوات الفحص الطبية، بالإضافة إلى سرير الفحص.
البداية كانت لافتة للنظر… مريض يدخل الغرفة من دون استئذان ويسأل ‘’اسمي (…) هل هو ضمن القائمة هنا؟’’… التصرف أثار دهشتنا إلا أن الطبيبة لم تتعجب، فالوضع ‘’عادي’’ بالنسبة لها، ويواجهها يومياً، تقول ذلك وهي تبتسم.
نادت عبر مكبر الصوت أحد الأسماء، وكان لطفل رضيع، دخلت أمه تحمله وترافقهما خادمة، الطبيبة تعرف تاريخ المريض، سألت عن نتيجة فحص الدم، إذ كان يعاني من نقص في الخميرة… كتبت تقريرا لتحويله على أختصاصي دم في مجمع السلمانية الطبي، ولفتت الطبيبة انتباه الأم إلى أن طفلها سيعاني من ارتفاع في درجة الحرارة واضطراب في النوم وبكاء بعد الجرعة الأولى من التطعيم الإلزامي.
مرة أخرى، وأثناء ما كانت الأم مع طفلها ‘’اقتحم’’ الغرفة رجل يستفسر عن آلية فحص الخادمة… لم يراع الداخل أن في الغرفة مريض وله خصوصيته…
لازالت الأم الشابة مع طفلها في الغرفة، وإذا بالباب يفتح مرة أخرى وتدخل إمرأة تستفسر عن أوراق الفحص الطبي الخاصة بسائقها، قالت ‘’من شخص لآخر أنتقل بحثا عن الأوراق، فبحسبه (السائق) أن هناك مشكلة صحية يعاني منها’’، أخبرتها الطبيبة انه يعاني من سل رئوي وسيتم تحويله لاختصاصي في مجمع السلمانية الطبي، للتأكد من ذلك.
مكبرات من دون فائدة
في ممرات الانتظار لم تعد هناك حاجة لمكبرات الصوت لمناداة المرضى؛ فالجميع يدخلون على الطبيب المعالج من دون مناداة، والملفات تتوارد على الطبيبة، فبين الحين والآخر تدخل ممرضة تحمل عددا منها، وتأخذ معها الملفات الخاصة بالمرضى الذين انتهوا من الكشف.
نادت الطبيبة المريضة التالية بحسب الترتيب، وقبل أن تدخل سبقها اثنان أحدهما يسأل عن دوره، فسألته الطبيبة عن اسمه وإن كان يعرف موعد دخوله، فنفى معرفته بالموعد على رغم أن الكتاب يبلغون المريض برقم الغرفة والموعد بالدقيقة، الآخر كان يستفسر عن وصول ملفه من عدمه.
جلست المريضة – وكانت تعاني من اضطراب في الهرمونات ناتج عن تضخم في الغدة الدرقية. الطبيبة بعد الفحص حولتها لإجراء فحوصات جديدة بدلا عن تلك التي تعود لما قبل العام .
تشرح لنا آلية ونظام نقل الملفات ‘’الكاتب يحدد الموعد ويكتب بطاقة المريض، ويسلمه لمستخرج الملفات الذي يسلم الملف للممرضة وهي تنقله بدورها إلى الطبيب، إلا أن المريض لا ينتظر دقائق، فما إن يذهب للكاتب حتى ينتقل مباشرة لغرفة الفحص يسأل عن دوره، وينكر حتى معرفته بالموعد الذي أبلغه الكاتب به.
دخلت مريضة ـ بعد مناداة اسمها ـ غرفة الكشف بصعوبة بسبب التزاحم على الباب، رفعت غطاء وجهها وسلمت أوراقا إلى الطبيبة، ‘’مبروك أنت حامل’’ تقول الطبيبة… لم تلح ابتسامة أو علامات فرح على وجه المريضة، علامة استفهام ارتسمت على محيانا، اعتقدنا أنه جنين غير مرغوب فيه لتعدد أطفالها… سألناها عن السبب، وكانت المفاجأة أنها لم تحمل لمدة جاوزت التسع سنوات، وأنها ترتعب من فقدان حملها، خصوصا أن عاملة المختبر قالت لها بأنه حمل ضعيف، وهى لا تعرف ما تعنيه تلك الكلمة.
هدّأت الطبيبة من روعها، وأكدت لها إن كان الله يرى صلاحا في بقائه سيثبته، وإن كان عكس ذلك ستفقده وستجهض، فلربما كان طفلا مشوها أو معاقا، وشرحت لها ما يعنيه مصطلح ‘’حمل ضعيف’’ طبيا، أي أنه حمل يتوقع له الإجهاض. كانت المرأة ترتعش وخائفة من فقدان أمل قد لا يرى النور، وقالت وبعفوية وعينيها أغرورقتا بالدموع ‘’إن ثبت حملي سأستقيل من عملي’’.
تستأذن الطبيبة وتخرج لدقائق عبر الباب الفاصل بينها وبين غرفة الفحص الأخرى. أثناء ذلك تدخل كفيلة السائق، كانت أوراقه وصور أشعته مفقودة، تترك الأوراق على الطاولة وتخرج لتنتظر دورها في الممر. تعود الطبيبة لترى الأوراق، وتشير إلى أن ‘’المشكلة التي تواجهنا مع الكفيل، أنه يترك العامل ينهي إجراءات الفحص بمفرده، ومع وجود مشكلة يطلب الطبيب رؤية الكفيل، فيرجع في اليوم التالي فيضيع الطبيب من وقته، وخصوصا عندما يأتي من غير موعد أصلا’’.
مواعيد للإجازات المرضية
من دون موعد ‘’ولا إحم ولا دستور’’، دخل مريض يسأل إن كان في الإمكان الكشف عليه… طلبت منه الطبيبة أخذ موعد عند الكتاب وانتظار دوره. لفت انتباهنا أن جميع من دخلوا الغرفة تقريبا طلبوا إجازات مرضية، فقد كان اليوم الأربعاء وصادف قبله أيام إجازة وبعده الإجازة الأسبوعية، في الوظائف الحكومية، ‘’واللبيب بالإشارة يفهم’’، فتشير إلى أنها لا تعطي تقارير الإجازة المرضية إلا لمن يستحقها فعلا، وأن الإناث والذكور متساوون تقريبا في عدد الإجازات المرضية التي يطلبونها.
أحد المرضى يدخل غرفة الكشف ثلاث مرات يستفسر عن موعده، آخر وهو شاب يلبس ثوباً، حاسر الرأس يدخل الغرفة ليستفسر عن موعده وكأنه يريد التشاجر. وبعد مناداته يدخل شاب لم تبد عليه علامات المرض أو التعب ليقول ‘’فيني كحة وسخونة وأريد إجازة مرضية’’… هكذا من دون مقدمات أو انتظار لنتجية الفحص الطبي، وتدلف أثناء ذلك ممرضة تحمل في يدها نحو عشر ورقات لمرضى جدد يتعارف العاملون على تسميتهم بـ ‘’ًُّمْ ٌىَُّّ’’ أي الذين تم تسجيلهم ما بعد انتهاء المواعيد. وللمصادفة، كن جميعاً من الإناث.
تعلق الطبيبة ‘’هذا هو حالنا فسياسة وزارة الصحة ألا نرد أي مريض… عقارب الساعة قاربت على الثانية ظهرا وأعداد من المرضى مازالوا ينتظرون في الممر’’. نادت الطبيبة مريضة، وإذا برجل كبير في السن يدخل الغرفة ويطلب التوقيع على ورقة لصرف بخاخ خاص لمرضى الربو.
دخلت أثناء ذلك أيضا مريضة لا يتجاوز عمرها الثالثة عشرة لتقول ‘’أنا مريضة ممكن أن تفحصيني… دكتورة؟’’، فتجيبها الطبيبة ‘’قبلك ثلاثة مرضى انتظري دورك، ويمكنك الاستلقاء في غرفة الكشف إن وجدت نفسك منهكة جداً’’، يتهدج صوت المريضة ‘’ألا تستطيعين تقديمي على غيري أنا مريضة؟’’.
عدد كبير من الحالات تدخل غرفة الكشف ولتكرار المشكلات آثرنا عدم ذكرها، ففي خلال الساعات الثماني وهي مدة الدوام الرسمي، يمر على الطبيب عدد من الحالات لأناس تختلف طرق التعامل معهم، ويتطلب من الطبيب مسايرة الجميع، وتقديم ابتسامته للجميع كذلك…
لا نملك عصا سحرية
‘’يعتقد المرضى بأن الطبيب يحمل عصا سحرية ويمكنه أن يرى جميع المرضى في ذات الوقت’’ بهذه الكلمات تعلق إحدى الطبيبات، وتكمل ‘’المشكلة أن المرضى لا يلتزمون بالمواعيد، ولا يتقيدون بالأنظمة والقوانين، قد تنتظر المريضة دورها في الصالون لساعات ولا تضجر، ولكنها ترفض انتظار دورها بالمركز، ولا نستغرب أن نسمع مريضا يقول هذا حق لنا كفله الدستور، وإن لم نرضخ لطلبه شكانا في اليوم التالي في الصحف، وكتب رسالة إلى الوزيرة’’.
وتتابع ‘’غالبا ما نعاني من القائمة الإضافية للمرضى التي ترد في الدقائق الأخيرة من الدوام، فنحاول جاهدين الكشف على الجميع، على رغم أن بعضهم يمكنه الذهاب مثلا إلى مستشفى المحرق باعتباره مستشفى يفتح أبوابه 24 ساعة يوميا، وباعتبارها حالة غير طارئة، كالإصابة بالزكام مثلا، أو بإمكانه الانتظار حتى الدوام المسائي للمركز.
وتقول ‘’إن ضغط المواعيد يحتم علينا – أطباء المراكز الصحية – أن نقلص فترة الفحص الطبي من سبع دقائق لكل مريض إلى دقيقتين أو أقل في بعض الحالات… كما نفتقد في كثير من الأحيان احترام المرضى، وإن كانت هناك فئة ليست بقليلة كذلك تحترم الطبيب وتلتزم بالمواعيد والأنظمة.
تعلن الساعة الثانية ظهرا… ينتهي الدوام في المركز، ولم يعد هناك من يقف على الباب أو يفتحه وبدأ الهدوء يخيم على المكان، حتى خلا من المراجعين كافة وحتى الموظفين، فيما عدا موظف واحد ودعناه قبل مغادرتنا إذ كان يكنس المركز، ليستأنف العمل بعد سويعات في الفترة المسائية، في المساء يبدأ الزحام من جديد، تتكرر المشكلات ذاتها مرة أخرى، ويتواصل العمل.

عن الكاتب

تدوينات متعلقة

اكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.